ابن أبي شريف المقدسي

163

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

وقوله : ( بعد ) ظرف ل « قال » ، أي : قال أئمة بخارى ما ذكر بعد ( قولهم بأن للفعل صفة الحسن والقبح ) ولكن الحكم غير تابع لهما كقول الأشاعرة ( إذ لا يمتنع عقلا أن لا يأمر الباري ) تعالى ( بالإيمان ولا يثيب عليه ، وإن كان حسنا ، و ) لا يمتنع عقلا أن ( لا ينهى سبحانه عن الكفر ولا يعاقب عليه ، وإن كان قبيحا ) بل أقبح القبائح . ( والحاصل ) مما عليه أئمة بخارى والأشاعرة ( أنّه لا يمتنع عدم التكليف عقلا ، إذ لا يحتاج سبحانه إلى الطاعة ويستكثر بها ويرتاح للشكر ) فكيف يحتاج إلى شيء أو يستكثر بشيء وهو الغني مطلقا ، وكل موجود فقير إليه ، وكيف يرتاح إلى شيء والارتياح ميل تهتز لأجله النفس فهو انفعال ، والانفعال في حقه تعالى محال « 1 » ( ولا يتضرر ) سبحانه ( بالمعصية ولا يأخذه حنق ) بسببها ( فيتشفّى بالعقاب ) لمثل ما مر ، إذ الحنق والتشفي نوعان من الانفعال وهو محال عليه تعالى ( على أن تسميتها ) أي : الأفعال قبل البعثة ( طاعة ومعصية تجوّز ، إذ هما ) أي : الطاعة والمعصية ( فرع الأمر والنهي ) إذ الطاعة : الإتيان بالمأمور به امتثالا والكف عن المنهي عنه كذلك ، والعصيان : مخالفة الأمر والنهي ، فإطلاق الطاعة والمعصية قبل ورود أمر ونهي مجاز من إطلاق الشيء على ما يؤول إليه ، فكيف تتحقق طاعة أو معصية قبل ورود أمر ونهي ؟ وقد انتقل إلى ضرب آخر من الاستدلال بقوله : ( بل يجوّز العقل العقاب بذكر اسمه ) أي : بسبب ذكر العبد اسمه تعالى ( شكرا له ) سبحانه ؛ لأن الشاكر ملك المشكور تعالى ، فإقدامه على الشكر بغير إذنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه ، فيقتضي العقاب ؛ ولأن العبد إذا حاول مجازاة موجده المنعم عليه بجلائل النعم دون إذن منه استحق التأديب لمحاولته ما ليس أهلا له ، ( فلو لا أنه ) سبحانه ( أطلق بفضله ) للعبد ( ذكر اسمه سمعا ) أي : من جهة السمع لورود الأدلة السمعية في الكتب الإلهية وعلى ألسنة المرسلين بطلب الذكر من العبد ( ووعد ) عطف على « أطلق » ( عليه ) أي : على الذكر الثواب ، في قوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ( سورة

--> ( 1 ) الانفعال : مطلق الانفعال : تأثّر الشيء بالغير ، كقولنا كسرنا العصا فانكسرت ، فيكون الطرف الثاني قابلا للانفعال ووقوع التأثّر منه ، بما يعرف بالاستجابة . فهو في حقه تعالى محال ، لاستلزامه التأثّر بالغير والاستجابة له وهو معنى الاحتياج ، وذلك ينافي الألوهية التي تتصف بالكمال وعدم الاحتياج للغير .